من مريض طُلب منه أن يختار أين يموت، إلى دواء للرئة يخوض اختباره الحاسم: ما الذي قدّمه الذكاء الاصطناعي للطب حتى الآن، وأين تتوقف الوعود؟
الجواب المختصر
يُعدّ اكتشاف الأدوية أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب. ويستعين الباحثون به لتحليل بيانات الأمراض واختيار أهداف علاجية، وتصميم مركّبات جديدة، واقتراح استخدامات أخرى لأدوية معروفة. وقد وصلت بعض الأدوية المرشحة إلى التجارب على البشر، لكن نجاح التصميم على الحاسوب أو التجارب على الفئران لا يثبت أن العلاج مفيد وآمن للمرضى.
قبل أكثر من عامين، وصل جوزيف كوتس إلى النقطة التي لم يعد بعدها لدى أطبائه ما يقدّمونه. كان في السابعة والثلاثين، يعيش في ولاية واشنطن الأمريكية، ويعاني من متلازمة «بويمز» (POEMS)، وهي اضطراب نادر في الدم خدّر يديه وقدميه، وضخّم قلبه، وأوصل كليتيه إلى حافة الفشل. زراعة الخلايا الجذعية، وهي من العلاجات القليلة لمرضه، لم تعد خياراً بعد أن ساءت حالته. وفي النهاية لم يبقَ أمامه سوى سؤال واحد: هل يفضّل أن يموت في البيت أم في المستشفى؟
لكن صديقته تارا ثيوبالد لم تستسلم. كتبت رسالة إلى طبيب في فيلادلفيا اسمه ديفيد فايغنباوم، وجاءها الرد في صباح اليوم التالي. اقترح فايغنباوم تجربة مزيج غير مألوف من العلاج الكيميائي والعلاج المناعي والستيرويدات، لم يُجرَّب من قبل لهذا المرض، وكان قد رشّحه نموذج ذكاء اصطناعي مدرَّب على البحث عن استخدامات جديدة لأدوية موجودة.[1]
خلال أسبوع بدأت حالة كوتس تتحسن. وبعد أربعة أشهر صار قادراً على الخضوع لزراعة الخلايا الجذعية التي حُرم منها، ثم دخل مرضه في حالة هدأة بحسب ما نُشر عام 2025.[2]
من الصعب مع ذلك أن نقول إن الذكاء الاصطناعي أنقذ حياته. فحالة واحدة لا تكشف إن كان هذا المزيج وحده سبب التحسن، ولا إن كان سينجح مع مريض آخر.غير أن القصة تُظهر وجهاً من وجوه الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأدوية: اقتراح استخدام جديد لعلاجات موجودة، يقرر الأطباء بعدها إن كان يستحق التجربة.
تنتشر اليوم عناوين كثيرة عن علاجات «اكتشفها الذكاء الاصطناعي»، والصورة الحقيقية أهدأ منها بكثير. هذه التقنية تساعد العلماء فعلاً على اقتراح الأدوية وتصميمها في وقت أقصر، ومع ذلك لم يحصل حتى صيف 2026 أي دواء اكتشفه الذكاء الاصطناعي على موافقة كاملة من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، بحسب متابعي هذا المجال.[3] والإدارة نفسها لا تصنّف الأدوية أصلاً بحسب طريقة اكتشافها.
محتويات المقال
كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأدوية؟
في بعض الأمراض، يؤدي بروتين أو مسار حيوي في الجسم دوراً في تطور المرض. يشبّه العلماء هذا البروتين بالقفل، والدواء بمفتاح يُصنع على مقاسه ليوقفه عن العمل. والصعوبة أن العثور على القفل الصحيح، ثم تجربة آلاف المفاتيح عليه، كان يستهلك سنوات طويلة من العمل في المختبر.
هنا يدخل الذكاء الاصطناعي. فهو قادر على قراءة كميات هائلة من البيانات الوراثية والأبحاث المنشورة ليشير إلى القفل الأرجح. وقادر أيضاً، عبر نماذج «توليدية» من عائلة التقنيات التي تكتب النصوص وترسم الصور، على اقتراح مفاتيح جديدة لم يصنعها أحد من قبل. ويتوقع كذلك شكل البروتينات وطريقة ارتباط الدواء بها قبل أن يدخل المختبر، وهو المجال الذي نال عنه ديفيد بيكر وديميس هاسابيس وجون جمبر جائزة نوبل للكيمياء عام 2024.[4]
ما الفرق بين تصميم دواء جديد وإعادة توظيف دواء قديم؟
وهناك طريق ثانٍ لا يحتاج إلى مفاتيح جديدة أصلاً: البحث بين آلاف الأدوية الموجودة عن دواء يصلح لمرض غير الذي صُنع من أجله. والتمييز بين الطريقين مهم في هذا المقال. فما جرّبه كوتس لم يكن دواءً جديداً، بل أدوية معروفة استُخدمت بطريقة جديدة. أما الدواء الذي نبدأ به الآن فجزيء لم يكن موجوداً قبل أن يصممه الباحثون بمساعدة الحاسوب.
أمثلة حقيقية: إلى أين وصلت العلاجات التي ساعد الذكاء الاصطناعي في تطويرها؟
| المثال | مساهمة الذكاء الاصطناعي | أين وصل الدليل؟ |
|---|---|---|
| رينتوسيرتيب للتليّف الرئوي | اختيار هدف وتصميم جزيء جديد | دخل المرحلة الثالثة؛ يُقدَّر اكتمال جمع بياناتها الأساسية في أكتوبر 2029 |
| مضادات حيوية من MIT | تصميم جزيئات جديدة | اختبارات في المختبر وعلى الفئران، من دون تجارب على البشر |
| بروتينات لتعطيل بعض سموم الأفاعي | تصميم بروتينات جديدة | تجارب على الفئران بسموم معزولة، وعلى خلايا بالسمّ الكامل |
| أدوية قديمة لأمراض نادرة | اقتراح استخدامات جديدة لأدوية معتمدة | حالات فردية موثقة، وتلزم تجارب منظمة لإثبات الفعالية للاستعمال الجديد |
تختلف قوة الدليل بين هذه الأمثلة اختلافاً كبيراً. وفيما يلي ما أظهرته كل تجربة، وما لم تُظهره بعد.
رينتوسيرتيب: دواء للتليّف الرئوي صُمّم بمساعدة الذكاء الاصطناعي
التليّف الرئوي مجهول السبب مرض قاسٍ. تتندّب أنسجة الرئة شيئاً فشيئاً، فيصبح التنفس أصعب عاماً بعد عام. ويعيش المرضى في المتوسط بين 3 و5 سنوات بعد التشخيص، والأدوية المتاحة تبطئ المرض ولا تشفيه.[5]
في شركة «إنسيليكو ميديسن» (Insilico Medicine)، استعان الباحثون بالذكاء الاصطناعي للبحث عن نقطة ضعف جديدة في هذا المرض، فوقع الاختيار على بروتين يُعرف اختصاراً بـ TNIK. ثم صمّموا بمساعدته جزيئاً يعطّل هذا البروتين، هو ما يُعرف اليوم باسم «رينتوسيرتيب». استغرقت الرحلة من اختيار الهدف إلى الدواء المرشح نحو 18 شهراً[6]، بينما تقول الشركة إن هذه المرحلة تستغرق عادةً بين سنتين ونصف وأربع سنوات.[7] وتقدّم الشركة دواءها على أنه أول دواء اكتُشف وطُوّر بالذكاء الاصطناعي التوليدي يبلغ المرحلة الثالثة من التجارب.[8]
وجاءت أبرز النتائج حتى الآن من تجربة صغيرة في المرحلة الثانية: 71 مريضاً في الصين تلقّوا الدواء بثلاث جرعات مختلفة أو دواءً وهمياً، لمدة 12 أسبوعاً فقط، أي أن كل مجموعة ضمّت في المتوسط أقل من 20 مريضاً. كان هدفها الأول قياس السلامة، وجاءت الآثار الجانبية متقاربة بين المجموعات.[9] أما ما لفت الأنظار فكان قياساً ثانوياً: عند من تلقّوا الجرعة الأعلى، زادت كمية الهواء التي يستطيعون إخراجها بقوة بعد أعمق شهيق بنحو 98 مليلتراً في المتوسط، بينما تراجعت بنحو 20 مليلتراً عند من تلقّوا الدواء الوهمي.[9][10] ويسمّي الأطباء هذا القياس «السعة الحيوية القسرية».
إنها بداية مشجعة، وبداية فقط. فتجربة بهذا الحجم وهذه المدة لا تكفي للحكم على فعالية الدواء، ولا على سلامته إذا استُخدم لسنوات. لذلك انتقلت الشركة إلى الامتحان الحقيقي، فأعلنت في يوليو 2026 بدء المرحلة الثالثة، وأعطت الدواء لأول مريض فيها في سبتمبر.[7][8] وبحسب سجل التجربة[11]، ستضم نحو 320 مريضاً في مراكز متعددة في الصين، وتتابعهم 52 أسبوعاً لقياس سرعة تراجع وظيفة الرئة. ويقدّر السجل اكتمال جمع البيانات الأساسية في أكتوبر 2029، وهو تقدير قد يتغير، ولا يحدد موعداً لإعلان النتائج.
هل أثبت رينتوسيرتيب إبطاء الشيخوخة؟
في سبتمبر 2026، نُشر تحليل لعينات دم 42 مشاركاً من التجربة المبكرة.[12] أظهرت مؤشرات مبنية على بروتينات الدم، تُسمّى «ساعات العمر البيولوجي»، تغيرات لدى من تلقوا الدواء مقارنة بمن تلقوا الدواء الوهمي. لكن هذه المؤشرات ليست قياساً مباشراً لطول العمر؛ ويقرّ الباحثون بأن البيانات لا تحدد ما إذا كان التغير مرتبطاً بالتأثير المضاد للتليّف في مرضى الرئة أم بتأثير أوسع في الشيخوخة. لذا لا تثبت الدراسة أن الدواء يبطئ شيخوخة البشر، ولم تختبره لدى أصحاء.
كيف صمّم الذكاء الاصطناعي مضادات حيوية جديدة؟
هذه مشكلة قد تطرق باب أي واحد منا. فالبكتيريا تزداد مقاومة للمضادات الحيوية، بينما يندر اكتشاف مضادات جديدة فعلاً. وتقدّر منظمة الصحة العالمية أن هذه المقاومة ارتبطت بأكثر من 4.7 مليون وفاة حول العالم عام 2021[13]، منها نحو 1.14 مليون وفاة كانت المقاومة سببها المباشر، أي وفيات ما كانت لتحدث لو استجابت العدوى للمضادات المعتادة.[14] وفي المقابل، لم تعتمد إدارة الغذاء والدواء الأمريكية خلال 45 عاماً سوى بضع عشرات من المضادات الحيوية الجديدة، وكان معظمها نسخاً معدّلة من مضادات قديمة.[15]
في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، قرر فريق من الباحثين ألا يكتفي بالبحث في مكتبات المركّبات الكيميائية الموجودة، فطلب من الذكاء الاصطناعي التوليدي أن يتخيّل مركّبات جديدة تماماً. كانت الحصيلة أكثر من 36 مليون مركّب افتراضي، فرزها الحاسوب ليختار أكثرها وعداً. وجاءت أفضل المركّبات مختلفة في بنيتها عن كل المضادات الحيوية المعروفة، ويبدو أنها تهاجم البكتيريا بطريقة جديدة، إذ تخرّب الغشاء الذي يحيط بخليتها. وفي المختبر وفي تجارب على الفئران، أظهرت نتائج واعدة ضد نوعين عنيدين من البكتيريا: السيلان المقاوم للأدوية، وبكتيريا MRSA التي تقاوم كثيراً من المضادات.[15][16]
إلا أن هذه المركّبات لم تُجرَّب على البشر بعد، وتعمل منظمة غير ربحية تُدعى Phare Bio على تطويرها.[15] وتاريخ الطب مليء بمركّبات نجحت في الفئران ثم خيّبت الآمال عند أول تجربة على الإنسان.
إعادة توظيف الأدوية بالذكاء الاصطناعي لعلاج أمراض نادرة
قصة كوتس تنتمي إلى هذا الطريق. فهناك أكثر من 10 آلاف مرض نادر معروف، ولا تتوفر علاجات آمنة وفعّالة إلا لبضع مئات منها.[17] ولأن المصابين بكل مرض قليلون، نادراً ما تجد الشركات دافعاً تجارياً لتطوير دواء جديد لهم.
الفكرة هنا بسيطة: بدل اختراع دواء جديد، يبحث العلماء بين الأدوية المعتمدة أصلاً. هذه أدوية نعرف سلامتها في استخداماتها الأصلية، وكثير منها رخيص لأنه لم يعد محمياً ببراءة اختراع. وهذا ما تفعله منظمة «إيفري كيور» (Every Cure) غير الربحية، التي شارك فايغنباوم في تأسيسها. يمنح نظامها درجة لكل زوج ممكن من نحو 4 آلاف دواء معتمد ونحو 18 ألف مرض، أي نحو 75 مليون درجة، ويحسبها كلها في قرابة 17 ساعة، بعد أن كانت العملية تستغرق نحو 100 يوم.[18] غير أن هذه الدرجات لا تعني وجود 75 مليون علاج، فهي مجرد ترتيب للاحتمالات، يختار منه الباحثون أقواها ليدرسوه ويختبروه.
ومن أوضح الأمثلة الموثقة حالة نشرتها مجلة نيو إنغلاند الطبية (NEJM) لمريض بداء كاسلمان متعدد البؤر مجهول السبب، وهو مرض نادر وخطير.[19] كان المريض على وشك الانتقال إلى رعاية نهاية الحياة حين وضع نموذج ذكاء اصطناعي دواء «أداليموماب» على رأس الخيارات المتوقعة، وهو دواء معتمد أصلاً لأمراض مثل التهاب المفاصل وداء كرون. وعند نشر الحالة مطلع 2025، كان المريض قد أمضى قرابة عامين في حالة هدأة. ويشدد الباحثون على أن النتيجة جاءت من الجمع بين الذكاء الاصطناعي والتحاليل المخبرية وخبرة الأطباء. ولهذه القصة بُعد شخصي، فالطبيب فايغنباوم مصاب بالمرض ذاته، وقد أنقذ حياته قبل أكثر من عقد بدواء قديم وجد له استخداماً جديداً.[20]
وتلقّت دراسة جامعة بنسلفانيا دعماً من جهات حكومية أمريكية، بينها المعاهد الوطنية للصحة (NIH) ووكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة للصحة (ARPA-H).[20] ومع ذلك تبقى قصة مريض واحد مجرد بداية، فالمريض قد يتحسن لأسباب كثيرة. ما يثبت فعالية العلاج هو تجربة منظمة تقارن بين من يتلقونه ومن لا يتلقونه، وقد أعلن فريق الجامعة عام 2025 عزمه إطلاق تجربة من هذا النوع لدواء آخر معاد توظيفه لهذا المرض.[20]
بروتينات صُمّمت بالذكاء الاصطناعي لتعطيل بعض سموم الأفاعي
تقدّر منظمة الصحة العالمية أن نحو 5.4 مليون شخص يتعرضون للدغات الأفاعي كل عام، يموت منهم ما بين 81 ألفاً و138 ألفاً تقريباً، ويُصاب نحو ثلاثة أضعاف هذا العدد ببتر أو إعاقات دائمة.[21] والأمصال المستخدمة اليوم تُستخلص من بلازما حيوانات عُرّضت للسم، فهي مكلفة وصعبة الإنتاج وقد تسبب آثاراً جانبية خطيرة.[22] كما أنها كثيراً ما تكون ضعيفة أمام عائلة من السموم تُعرف بـ«السموم ثلاثية الأصابع»، سُمّيت كذلك لأن شكلها يشبه ثلاثة أصابع ممدودة، وهي قادرة على شلّ العضلات.
في مختبر ديفيد بيكر بجامعة واشنطن، وبالتعاون مع جامعة الدنمارك التقنية، صمّم الباحثون على الحاسوب بروتينات جديدة كلياً تلتصق بهذه السموم وتعطّلها، ونشروا النتائج في مجلة Nature مطلع 2025.[23] وهذه البروتينات صغيرة الحجم، ويمكن نظرياً إنتاجها بالميكروبات بدل الحيوانات، ما قد يجعلها أرخص.[24]
النتائج مشجعة، لكن التفاصيل تصنع الفرق هنا. ففي تجارب النجاة، حُقنت الفئران بجرعات قاتلة من سمّين عصبيين معزولين، أحدهما من سمّ الكوبرا، وليس بسمّ الأفعى كاملاً. حمى أحد البروتينات جميع الفئران، حتى حين أُعطي بعد الحقن بربع ساعة إلى نصف ساعة، بينما حمى بروتين آخر 60% منها حين أُعطي بعد نصف ساعة. أما السمّ الكامل، فقد أظهرت التجارب على الخلايا بعض الحماية من آثاره، لكن تجربة أولية على الفئران لم تُظهر انخفاضاً واضحاً في تلف الجلد الذي يسببه، ويقول الباحثون إن البروتين المخصص للسموم التي تتلف الأنسجة يحتاج إلى تحسين. ولهذا يؤكدون أن الأمصال التقليدية ستبقى الأساس في علاج اللدغات في الوقت الحالي.[23]
ما مراحل اختبار دواء اكتُشف بالذكاء الاصطناعي؟
سواء وُلد الدواء في ذهن عالم أو اقترحه حاسوب، عليه أن يقطع الطريق نفسه قبل أن يصل إلى المريض: تجارب في المختبر، ثم على الحيوانات، ثم على البشر في ثلاث مراحل. والأرقام في الجدول التالي تقديرات عامة من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تشمل كل الأدوية[25]، وليست خاصة بأدوية الذكاء الاصطناعي:
| المرحلة | ماذا تختبر؟ | عدد المشاركين | كم دواء ينتقل إلى المرحلة التالية؟ |
|---|---|---|---|
| الأولى | السلامة والجرعة المناسبة | 20 إلى 100 | نحو 70% |
| الثانية | الفعالية الأولية والآثار الجانبية | حتى بضع مئات | نحو 33% |
| الثالثة | إثبات الفعالية ورصد الآثار الجانبية الأقل شيوعاً | 300 إلى 3000 | 25 إلى 30% |
بعد المراحل الثلاث، تراجع الجهات الرقابية كل البيانات قبل أن تسمح بطرح الدواء، وتواصل مراقبته بعد وصوله إلى المرضى. والذكاء الاصطناعي يختصر الخطوات الأولى من هذا الطريق، أما التجارب على البشر فتبقى الأطول والأكثر كلفة، وفيها يُحسم مصير الدواء.
ولتوضيح أن وصول دواء إلى المرحلة الثالثة لا يعني توفره للمرضى، يعرض مقال أفيكسيتايد التجريبي مثالاً آخر من مجال علاجي مختلف.
هل يجعل الذكاء الاصطناعي تطوير الأدوية أسرع وأكثر نجاحاً؟
أوضح ما قدّمه الذكاء الاصطناعي حتى الآن هو السرعة في الخطوات الأولى، كما في قصة رينتوسيرتيب. وهناك مؤشر مشجع آخر: تحليل مبكر أجرته مجموعة بوسطن الاستشارية مع مؤسسة ويلكم ونُشر عام 2024، وجد أن 80 إلى 90% من الأدوية المكتشفة بالذكاء الاصطناعي اجتازت المرحلة الأولى من التجارب، وهي نسبة أعلى من المعتاد.[26] غير أن العيّنة لم تتجاوز بضع عشرات من الأدوية، والرقم وحده لا يثبت أن الذكاء الاصطناعي هو سبب التفوق، فربما اختارت الشركات أهدافاً أسهل أو أفضل دراسة.
في المرحلة الثانية، حيث يتضح إن كان الدواء يعالج المرض فعلاً، تغيّرت الصورة: كانت نسبة النجاح في التحليل نفسه نحو 40%، أي قريبة مما تحققه الأدوية التقليدية.[26] ويرى باحثون أن العقبة الكبرى ما زالت في اختيار القفل الصحيح، فالهدف الخاطئ قد لا ينكشف إلا بعد سنوات، في هذه المرحلة تحديداً.[6]
والقصة ما زالت في فصولها الأولى. فقد رصد تحليل عُرض في مؤتمر الجمعية الأمريكية لعلم الأورام السريري (ASCO) عام 2026 نحو 117 دواءً مرشحاً طُوّرت بمساعدة الذكاء الاصطناعي ودخلت تجارب على البشر. أكمل 60 منها المرحلة الأولى، و8 فقط المرحلة الثانية[27]، وهذا لا يعني أن البقية فشلت، فبعضها لم يبلغ هذه المراحل بعد.
وفي السجل إخفاقات أيضاً. أول دواء صممه الذكاء الاصطناعي ودخل تجارب بشرية، واسمه DSP-1181 وكان مخصصاً لاضطراب الوسواس القهري، بدأ تجاربه عام 2020[28] ثم توقف تطويره عام 2022.[27] وفي 2023 فشل دواء للأكزيما من شركة BenevolentAI في تحقيق أهدافه، فسرّحت الشركة ما يصل إلى 180 موظفاً.[29] وحتى الشركات الأوفر تمويلاً تؤجّل مواعيدها، فشركة Isomorphic Labs المنبثقة عن Google DeepMind كانت تستهدف بدء تجاربها على البشر في 2025، ثم أجّلتها إلى نهاية 2026.[30]
ثم إن لهذه القوة وجهاً يدعو إلى الحذر. فالأدوات التي تصمم بروتيناً يعطّل سماً يمكن نظرياً أن تُستخدم لأغراض أخرى، ولهذا وقّع أكثر من 170 عالماً يقودون فرقاً بحثية في تصميم البروتينات عام 2024 على معايير طوعية للاستخدام المسؤول، منها الإبلاغ عن الممارسات البحثية المقلقة، وعدم شراء الحمض النووي المصنّع إلا من شركات تفحص الطلبات بحثاً عن مخاطر أمنية.[31]
كيف تتحقق من خبر عن علاج اكتشفه الذكاء الاصطناعي؟
في المرة القادمة التي تقرأ فيها عن «علاج اكتشفه الذكاء الاصطناعي»، جرّب أن تسأل نفسك:
- هل جُرّب على الحاسوب فقط، أم على خلايا في المختبر، أم على حيوانات، أم على بشر؟
- إن جُرّب على البشر، ففي أي مرحلة؟ نجاح المرحلة الأولى يخبرنا عن الأمان أكثر مما يخبرنا عن الشفاء.
- كم عدد المشاركين؟ وهل قورنوا بمجموعة تلقت دواءً وهمياً؟
- أين نُشرت النتائج: في مجلة علمية محكّمة، أم في بيان صحفي للشركة؟
- هل نتحدث عن مريض واحد أم عن تجربة منظمة؟
- ما الذي فعله الذكاء الاصطناعي بالضبط؟ فهذا الوصف يُطلق أحياناً على أدوية صُمّمت بأساليب حاسوبية تقليدية، أو كان دور الذكاء الاصطناعي فيها ثانوياً.[3]
هل هذه العلاجات متاحة للمرضى الآن؟
لا يُستخدم أيّ من العلاجات الجديدة المذكورة هنا علاجاً معتمداً لهذه الأمراض حتى الآن. رينتوسيرتيب ما زال في تجربة سريرية، والمضادات الحيوية الجديدة والبروتينات المضادة للسموم ما زالت في مرحلة البحث التي تسبق التجارب على البشر. وفي بعض البلدان توجد مسارات استثنائية للحصول على دواء تجريبي خارج التجارب، لكنها محدودة وتخضع لشروط تختلف من بلد لآخر. أما الأدوية المعاد توظيفها فمتوفرة أصلاً بوصفة طبية، غير أن استخدامها لمرض آخر قرار يعود إلى الطبيب المختص وحده.
لا توقف علاجك ولا تغيّره بسبب خبر قرأته. وإن كنت مهتماً بالمشاركة في تجربة سريرية، تحدّث مع طبيبك، ويمكنكما البحث معاً في التجارب المسجلة على موقع ClinicalTrials.gov.
الخلاصة: ما الذي تغيّر، وما حدود النتائج حتى الآن؟
تُظهر قصة جوزيف كوتس ما يمكن أن يحدث حين يقترح الحاسوب فكرة لم تخطر لأحد. لكن المسافة بين قصة ملهمة وعلاج يصل إلى آلاف المرضى تُقاس بسنوات من التجارب. الذكاء الاصطناعي يستطيع اليوم أن يختصر جزءاً من هذه المسافة، ولا يستطيع القفز فوقها. وأوضح اختبار قادم هو تجربة رينتوسيرتيب الكبيرة، التي يُقدَّر اكتمال جمع بياناتها الأساسية في أكتوبر 2029. حينها سنقترب من جواب السؤال الذي يشغل هذا المجال كله: هل يصنع الذكاء الاصطناعي أدوية أفضل، أم أدوية أسرع فقط؟
المصادر
المصادر والمراجع
- جامعة بنسلفانيا (Penn I3H). قصة جوزيف كوتس والعلاج الذي رشّحه نموذج ذكاء اصطناعي لمتلازمة POEMS.
- WarpNews. تقرير عن تعافي جوزيف كوتس ودخول مرضه في هدأة، 2025.
- IntuitionLabs. الأدوية المكتشفة بالذكاء الاصطناعي وموافقات إدارة الغذاء والدواء الأمريكية.
- الجمعية الكيميائية الأمريكية (ACS). جائزة نوبل في الكيمياء 2024.
- مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأمريكية (CDC). التليّف الرئوي مجهول السبب، تقرير MMWR، 2025.
- Ren وآخرون. اكتشاف رينتوسيرتيب وتجاربه الأولى، مجلة Nature Biotechnology، 2024.
- إنسيليكو ميديسن (Insilico Medicine). بدء تجربة المرحلة الثالثة لرينتوسيرتيب (بيان الشركة)، يوليو 2026.
- News-Medical. رينتوسيرتيب يدخل المرحلة الثالثة من التجارب لعلاج التليّف الرئوي مجهول السبب، سبتمبر 2026.
- Xu وآخرون. نتائج تجربة المرحلة 2a لرينتوسيرتيب، مجلة Nature Medicine، 2025.
- Respiratory Therapy. تجربة رينتوسيرتيب في التليّف الرئوي مجهول السبب.
- ClinicalTrials.gov. سجل تجربة المرحلة الثالثة لرينتوسيرتيب (NCT07687459).
- Zhavoronkov وآخرون. تحليل مؤشرات بروتينات الدم المرتبطة بالعمر في تجربة رينتوسيرتيب، مجلة Nature Biotechnology، 2026.
- منظمة الصحة العالمية. مقاومة مضادات الميكروبات (صحيفة وقائع، يوليو 2026).
- GBD 2021 AMR Collaborators. العبء العالمي لمقاومة المضادات الحيوية، مجلة The Lancet، 2024.
- معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT News). باحثون يصممون بالذكاء الاصطناعي التوليدي مركّبات تقتل البكتيريا المقاومة للأدوية، أغسطس 2025.
- Krishnan وآخرون. تصميم مضادات حيوية جديدة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، مجلة Cell، 2025.
- المركز الوطني لتطوير العلوم الانتقالية (NCATS). الأمراض النادرة.
- Elsevier. منظمة «إيفري كيور»: أدوية قديمة وأمل جديد، أكتوبر 2025.
- مجلة نيو إنغلاند الطبية (NEJM). استهداف مسار TNF في داء كاسلمان متعدد البؤر مجهول السبب، 2025.
- بن ميديسن (Penn Medicine). أداة ذكاء اصطناعي تساعد في العثور على دواء منقذ لمرض نادر، فبراير 2025.
- منظمة الصحة العالمية. لدغات الأفاعي والتسمم بها (صحيفة وقائع، سبتمبر 2026).
- مختبر ديفيد بيكر، جامعة واشنطن (Baker Lab). تعطيل سموم الأفاعي القاتلة ببروتينات مصممة، يناير 2025.
- Vázquez Torres وآخرون. بروتينات مصممة تعطّل سموم الأفاعي، مجلة Nature، 2025.
- EurekAlert. بيان صحفي عن البروتينات المصممة لتعطيل سموم الأفاعي.
- إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA). مراحل البحث السريري.
- Jayatunga وآخرون. نسب نجاح الأدوية المكتشفة بالذكاء الاصطناعي في التجارب السريرية، مجلة Drug Discovery Today، 2024.
- IntuitionLabs. الأدوية المكتشفة بالذكاء الاصطناعي في التجارب السريرية، 2026.
- سوميتومو فارما (Sumitomo Pharma). بدء الدراسة السريرية لمرشح دوائي صُمّم بالذكاء الاصطناعي (DSP-1181) (بيان الشركة)، يناير 2020.
- Fierce Biotech. تقليصات واسعة في BenevolentAI بعد فشل تجربة في المرحلة الثانية، مايو 2023.
- R&D World. تقرير عن تمويل Isomorphic Labs المنبثقة عن Alphabet.
- معهد تصميم البروتينات، جامعة واشنطن (IPD). مبادرة الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في تصميم البروتينات، 2024.